ابن كثير
95
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
واحد . وعن الحسن البصري : المراد بذلك يوم الأحزاب . رواه ابن جرير « 1 » ، وهو غريب لا يعول عليه . وكانت وقعة أحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة . قال قتادة : لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال . وقال عكرمة : يوم السبت للنصف من شوال ، فاللّه أعلم ، وكان سببها أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر وسلمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان قال أبناء من قتل ، ورؤساء من بقي لأبي سفيان : أرصد هذه الأموال لقتال محمد فأنفقوها في ذلك ، فجمعوا الجموع والأحابيش ، وأقبلوا في نحو من ثلاثة آلاف حتى نزلوا قريبا من أحد تلقاء المدينة ، فصلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الجمعة ، فلما فرغ منها صلى على رجل من بني النجار يقال له مالك بن عمرو ، واستشار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الناس « أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة » ؛ فأشار عبد اللّه بن أبي بالمقام بالمدينة ، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس ، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجعوا خائبين وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدرا بالخروج إليهم ، فدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلبس لأمته وخرج عليهم ، وقد ندم بعضهم وقالوا : لعلنا استكرهنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : يا رسول اللّه إن شئت أن نمكث ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يرجع حتى يحكم اللّه له » فسار صلّى اللّه عليه وسلّم في ألف من أصحابه ، فلما كانوا بالشوط ، رجع عبد اللّه بن أبي في ثلث الجيش مغضبا لكونه لم يرجع إلى قوله ، وقال هو وأصحابه : لو نعلم اليوم قتالا لا تبعناكم ، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم . واستمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سائرا حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي . وجعل ظهره وعسكره إلى أحد ، وقال « لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال » . وتهيأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه . وأمر على الرماة عبد اللّه بن جبير أخا بني عمرو بن عوف . والرماة يومئذ خمسون رجلا ، فقال لهم « انضحوا الخيل عنا ولا نؤتين من قبلكم والزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا ، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم » . وظاهر « 2 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين درعين ، وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار . وأجاز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعض الغلمان يومئذ وأرجأ آخرين حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين ، وتعبّأت قريش وهم ثلاثة آلاف ، ومعهم مائتا فرس قد جنبوها ، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد ، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ، ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار ، ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في مواضعه عند هذه الآيات ، إن شاء اللّه تعالى ، ولهذا قال تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ أي تنزلهم منازلهم ، وتجعلهم ميمنة وميسرة وحيث أمرتهم
--> ( 1 ) تفسير الطبري 3 / 415 . ( 2 ) أي لبس درعا فوق درع .